ابن تيمية
150
مجموعة الرسائل والمسائل
يتكلم إذا شاء ويسكت إذا شاء كما أنه سبحانه وتعالى خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ، وأنه سبحانه استوى إلى السماء وهي دخان وأنه سبحانه يأتي في ظلل من الغمام والملائكة ، كما قال " وجاء ربك والملك صفاً صفاً " وقال : " هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك " وقال تعالى " إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون " وقال تعالى " وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون " وأمثال ذلك في القرآن والحديث كثير ، يبين الله سبحانه أنه إذا شاء فعل ما أخبر عنه من تكليمه وأفعاله القائمة بنفسه ، وما كان قائماً بنفسه هو كلامه لا كلام غيره ، والمخلوق لا يكون قائماً بالخالق ، ولا يكون الرب محلاً للمخلوقات ، بل هو سبحانه يقوم به ما شاء من كلماته وأفعاله ، وليس من ذلك شيء مخلوقاً ، إنما المخلوق ما كان بائناً عنه ، وكلام الله من الله ليس ببائن منه ، ولهذا قال السلف : القرآن كلام الله غير مخلوق ، منه بدأ وإليه يعود ، فقالوا : منه بدا ، أي هو المتكلم به لا أنه خلقه في بعض الأجسام المخلوقة . وهذا الجواب هو جواب أئمة أهل الحديث والتصوف والفقه وطوائف من أهل الكلام من أئمتهم من الهشامية والكرامية وغيرهم وأتباع الأئمة الأربعة أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ، منهم من يختار جواب الصنف الأول ، وهم الذين يرتضون قول ابن كلاب في القرآن ، وهم طوائف من متأخري أصحاب مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة ، ومنهم من يختار جواب الصنف الثاني ، وهم الطوائف الذين ينكرون قول ابن كلاب ويقولون أن القرآن قديم كالساليمة وطوائف من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة ، ومنهم من يختار جواب الطائفة الثالثة ، وهم الذين ينكرون قول الطائفتين المتقدمتين الكلابية والسالمية . ثم من هؤلاء من يقول بقول الكرامية ، والكرامية ينتسبون إلى أبي حنيفة ، ومنهم من لا يختار قول الكرامية أيضاً لما فيه من تناقض آخر ، بل يقول بقول أئمة